وهبة الزحيلي
233
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي إن هؤلاء النساء الخيرات حور شديدات البياض ، وفي عيونهن حور ، أي واسعات الأعين ، مع صفاء البياض ، مخدرات محجبات مستورات في خيام الجنة المكونة من الدرّ المجوفة ، فلسن مترددات في الشوارع والطرقات . وقد وصفت نساء الجنتين هناك بأنهن قاصِراتُ الطَّرْفِ فهن أعلى منزلة من هؤلاء المذكورات في هذه الآية : مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ لأنه لا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت ، وإن كان الجميع مخدرات . والعرب يمدحون ويؤثرون النساء الملازمات للبيوت ، لتوافر الصون ، فبأي نعم اللّه هذه ونحوها تكذبان ؟ ! لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي لم يمسّهن ولم يجامعهن قبل ذلك أحد من الإنس والجن ، توفيرا للمتقين الخائفين ربّهم ، فبأي نعم اللّه تكذبان ؟ ! وقد زاد في وصف نساء الجنتين السابقتين بقوله : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي وهم في الجنة متكئون مستندون على وسائد خضراء ، وبسط منقوشة بديعة فاخرة متقنة الصنع ، فبأي نعم اللّه تكذبان أيها الإنس والجن ؟ ! وقد وصف اللّه مرافق الجنتين الأوليين بما هو أرفع وأولى من هذه الصفة ، فإنه تعالى قال هناك : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ . وختمت الصفات المتقدمة بقوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى مراتب العبادة . تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ أي تقدس وتنزه اللّه صاحب العزة والعظمة والتكريم على ما أنعم به على عباده المخلصين ، فهو أهل أن يجل فلا يعصى ، وأن يكرم فيعبد ، ويشكر فلا يكفر ، وأن يذكر فلا ينسى .